فصل: تفسير الآية رقم (14)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

يجوز أن يكون عطفاً على جملة ‏{‏ما قطعتم من لينة‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 5‏]‏ الآية فتكون امتناناً وتكملة لمصارف أموال بني النضير‏.‏

ويجوز أن تكون عطفاً على مجموع ما تقدم عطفَ القصة على القصة والغرض على الغرض للانتقال إلى التعريف بمصير أموال بني النضير لئلا يختلف رجال المسلمين في قسمته‏.‏ ولبيان أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة أموال بني النضير هو عدلٌ إن كانت الآية نزلت بعد القسمة وَمَا صْدَقُ ‏{‏ما أفاء الله‏}‏ هو ما تركوه من الأرض والنخل والنقض والحطب‏.‏

والفَيء معروف في اصطلاح الغزاة، ففعل أفاء أعطَى الفيء، فالفيء في الحروب والغارات ما يظفر به الجيْشُ من متاع عدوّهم وهو أعم من الغنيمة ولم يتحقق أيمة اللغة في أصل اشتقاقه فيكون الفيء بقتال ويكون بدون قتال، وأما الغنيمة فهي ما أخذ بقتال‏.‏

وضمير ‏{‏منهم‏}‏ عائد إلى ‏{‏الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 2‏]‏ الواقع في أول السورة وهم بنو النضير‏.‏ وقيل‏:‏ أريد به الكفار، وأنه نزَّلَ في فيء فدك فهذا بعيد ومخالف للآثار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فما أوجفتم عليه‏}‏ خبر عن ‏(‏ما‏)‏ الموصولة قرن بالفاء لأن الموصول كالشرط لتضمنه معنى التسبب كما تقدم آنفاً في قوله‏:‏ ‏{‏فبإذن الله‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وهو بصريحه امتنان على المسلمين بأن الله ساق لهم أموال بني النضير دون قتال، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى الله المؤمنين القتال‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 25‏]‏، ويفيد مع ذلك كناية بأن يقصد بالإِخبار عنه بأنهم لم يُوجفوا عليه لازمُ الخبر وهو أنه ليس لهم سبب حقَ فيه‏.‏ والمعنى‏:‏ فما هو من حقّكم، أو لا تسألوا قسمته لأنكم لم تنالوه بقتالكم ولكن الله أعطاه رسوله صلى الله عليه وسلم نعمة منه بلا مشقة ولا نصَب‏.‏

والإِيجاف‏:‏ نوع من سَير الخيل‏.‏ وهو سَير سريع بإِيقاع وأريد به الركض للإِغارة لأنه يكون سريعاً‏.‏

والركابُ‏:‏ اسم جمع للإِبل التي تُرْكبُ‏.‏ والمعنى‏:‏ ما أغرتم عليه بخيل ولا إبل‏.‏

وحرف ‏(‏على‏)‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما أوجفتم عليه‏}‏ للتعليل، وليس لتعدية ‏{‏أوجفتم‏}‏ لأن معنى الإِيجاف لا يتعدى إلى الفيء بحرف الجر، أو متعلقٌ بمحذوف هو مصدر ‏{‏أوجفتم‏}‏، أي إيجافاً لأجله‏.‏

و ‏{‏مِن‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من خيل‏}‏ زائدة داخلة على النكرة في سياق النفي ومدخول ‏{‏مِن‏}‏ في معنى المفعول به ل ‏{‏أوجفتم‏}‏ أي ما سقتم خيلاً ولا ركاباً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولكن الله يسلط رسله على من يشاء‏}‏ استدراك على النفي الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما أوجفتم عليه‏}‏ لرفع توهم أنه لا حقّ فيه لأحد‏.‏ والمراد‏:‏ أن الله سلط عليه رسوله صلى الله عليه وسلم فالرسول أحق به‏.‏ وهذا التركيب يفيد قصراً معنوياً كأنه قيل‏:‏ فما سلطكم الله عليهم ولكن سلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن الله يسلط رسله على من يشاء‏}‏ إيجاز حذف لأن التقدير‏:‏ ولكن الله سلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم والله يسلط رُسله على من يشاء وكان هذا بمنزلة التذييل لعمومه وهو دال على المقدر‏.‏

وعموم ‏{‏من يشاء‏}‏ لشمول أنه يسلط رسله على مقاتلين ويسلطهم على غير المقاتلين‏.‏

والمعنى‏:‏ وما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم إنما هو بتسليط الله رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم والله يسلط رسله على من يشاء‏.‏ فأغنى التذييل عن المحذوف، أي فلا حقّ لكم فيه فيكون من مال الله يتصرّف فيه رسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور من بعده‏.‏

فتكون الآية تبييناً لما وقع في قسمة فيء بني النضير‏.‏ ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسمه على جميع الغُزاة ولكن قسمه على المهاجرين سواء كانوا مِمَّن غزوا معهُ أم لم يغزوا إذ لم يكن للمهاجرين أموالٌ‏.‏ فأراد أن يكفيهم ويكفي الأنصار ما مَنحوه المهاجرين من النخيل‏.‏ ولم يعط منه الأنصار إلا ثلاثة لشدة حاجتهم وهم أبو دَجانة ‏(‏سِماك بن خزينة‏)‏، وسَهلُ بن حنيف، والحارث بن الصِّمَّة‏.‏ وأعطى سعد بنَ معاذ سيفَ أبي الحُقيق، وكل ذلك تصرّف باجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله جعل تلك الأموال له‏.‏

فإن كانت الآية نزلت بعد أن قسمت أموال النضير كانت بياناً بأن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حقٌّ، أمره الله به، أو جعله إليه، وإن كانت نزلت قبل القسمة، إذ روي أن سبب نزولها أن الجيش سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخميس أموال بني النضير مثل غنائم بدر فنزلت هذه الآية، كانت الآية تشريعاً لاستحقاق هذه الأموال‏.‏

قال أبو بكر ابن العربي‏:‏ «لا خلاف بين العلماء أن الآية الأولى خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي هذه الآية الأولى من الآيتين المذكورتين في هذه السورة خاصة بأموال بني النضير، وعلى أنها خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء‏.‏ وبذلك قال عمر بن الخطاب بمحضر عثمان، وعبد الرحمان بن عوف، والزبير، وسعد، وهو قول مالك فيما روَى عنه ابن القاسم وابن وهب‏.‏ قال‏:‏ كانت أموال بني النضير صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمسها‏.‏ واختُلف في القياس عليها كل مال لم يوجف عليه‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ قال بعض العلماء وكذلك كل ما فتح الله على الأيمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة ا ه‏.‏ وسيأتي تفسير ذلك في الآية بعدها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاغنيآء مِنكُمْ‏}‏‏.‏

جمهور العلماء جعلوا هذه الآية ابتداء كلام، أي على الاستئناف الابتدائي، وأنها قصد منها حكم غير الحكم الذي تضمنته الآية التي قبلها‏.‏ ومن هؤلاء مالك وهو قول الحنفية فجعلوا مضمون الآية التي قبلها أموالَ بني النضير خاصة، وجعلوا الآية الثانية هذه إخباراً عن حكم الأَفيَاء التي حصلت عند فتح قرىً أخرى بعد غزوة بني النضير‏.‏ مثل قريظة سنة خمس، وفَدككٍ سنة سبع، ونحوهما فعيّنته هذه الآية للأصناف المذكورة فيها، ولا حق في ذلك لأهل الجيش أيضاً وهذا الذي يجري على وفاق كلام عمر بن الخطاب في قضائه بين العباس وعلي فيما بأيديهما من أموال بني النضير على احتمال فيه، وهو الذي يقتضيه تغيير أسلوب التعْبير بقوله هنا‏:‏ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏ بعد أن قال في التي قبلها ‏{‏وما أفاء الله على رسوله منهم‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 6‏]‏ فإن ضمير ‏{‏منهم‏}‏ راجع ل ‏{‏الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 2‏]‏ وهم بنو النضير لا محالة‏.‏ وعلى هذا القول يجوز أن تكون هذه الآية نزلت عقب الآية الأولى، ويجوز أن تكون نزلت بعد مدة فإن فتح القُرى وقع بعد فتح النضير بنحو سنتين‏.‏

ومن العلماء من جعل هذه الآية كلمة وبياناً للآية التي قبلها، أي بياناً للإِجمال الواقع في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما أوجفتم عليه من خيل‏}‏ الآية ‏[‏الحشر‏:‏ 6‏]‏، لأن الآية التي قبلها اقتصرت على الإِعلام بأن أهل الجيْش لا حقّ لهم فيه، ولم تبين مستحقَّه وأشعر قولُه ‏{‏ولكن الله يسلط رسله على من يشاء‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 6‏]‏ أنه مَالٌ لله تعالى يضعه حيث شاء على يد رسوله صلى الله عليه وسلم فقد بيّن الله له مستحقّيه من غير أهل الجيش‏.‏ فموقع هذه الآية من التي قبلها موقع عطف البيان‏.‏ ولذلك فصلت‏.‏

وممن قال بهذا الشافعيّ وعليه جرى تفسير صاحب «الكشاف»‏.‏ ومقتضى هذا أن تكون أموال بني النضير مما يُخَمّس ولم يرو أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمّسها بل ثبت ضدُّه، وعلى هذا يكون حكم أموال بني النضير حكماً خاصاً، أو تكون هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها إن كانت نزلت بعدها بمدة‏.‏

قال ابن الفرس‏:‏ آية ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏‏.‏ وهذه الآية من المشكلات إذا نُظرت مع الآية التي قبلها ومع آية الغنيمة من سورة الأنفال‏.‏ ولا خلاف في أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أفاء الله على رسوله منهم الآية‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 6‏]‏ إنما نزلت فيما صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أموال الكفار بغير إيجاف، وبذلك فسّرها عُمر ولم يخالفه أحد‏.‏

وأما آية الأنفال فلا خلاف أنها نزلت فيما صار من أموال الكفار بإيجاف، وأما الآية الثانية من الحشر فاختلف أهل العلم فيها فمنهم من أضافها إلى التي قبلها، ومنهم من أضافها إلى آية الأنفال وأنهما نزلتا بحكمين مختلفين في الغنيمة الموجف عليها، وأن آية الأنفال نسخت آية الحشر‏.‏

ومنهم من قال‏:‏ إنها نزلت في معنى ثالث غير المعنيين المذكورين في الآيتين‏:‏ واختلف الذاهبون إلى هذا‏:‏ فقيل نزلت في خراج الأرض والجزية دون بقية الأموال، وقيل نزلت في حكم الأرض خاصة دون سائر أموال الكفار ‏(‏فتكون تخصيصاً لآية الأنفال‏)‏ وإلى هذا ذهب مالك‏.‏ والآية عند أهل هذه المقالة غير منسوخة‏.‏ ومنهم من ذهب إلى تخيير الإمام اه‏.‏

والتعريف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من أهل القرى‏}‏ تعريف العهد وهي قرى معروفة عُدّت منها‏:‏ قريظة، وفَدَك، وقرى عُرينة، واليُنْبُع، ووادي القُرى، والصفراء، فتحت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واختلف الناس في فتحها أكان عنوة أو صلحاً أو فَيئاً‏.‏ والأكثر على أن فَدَك كانت مثل النضير‏.‏

ولا يختص جعله للرسول بخصوص ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بل مثله فيه أيمة المسلمين‏.‏

وتقييد الفيء بفيء القرى جَرى على الغالب لأن الغالب أن لا تفتح إلا القرى لأن أهلها يحاصَرون فيستسلمون ويعطُون بأيديهم إذا اشتد عليهم الحصار، فأما النازلون بالبوادي فلا يُغلبون إلا بعد إيجاف وقتال فليس لقيد ‏{‏من أهل القرى‏}‏ مفهوم عندنا، وقد اختلف الفقهاء في حكم الفيء الذي يحصل للمسلمين بدون إيجاف‏.‏ فمذهب مالك أنه لا يخمَّس وإنما تخمس الغنائم وهي ما غنمه المسلمون بإيجاف وقتال‏.‏

وذهب أبو حنيفة إلى التفصيل بين الأموال غير الأرضين وبين الأرضين‏.‏ فأما غير الأرضين فهو مخمّس، وأما الأرضون فالخيار فيها للإِمام بما يراه أصلح إن شاء قسّمها وخمس أهلها فهم أرقاء، وإن شاء تركها على ملك أهلها وجعل خراجاً عليها وعلى أنفسهم‏.‏

وذهب الشافعي إلى أن جميع أموال الحرب مخمّسة وحمل حكم هاته الآية على حكم آية سورة الأنفال بالتخصيص أو بالنسخ‏.‏

وذهب أبو حنيفة إلى التفصيل بين الأموال غير الأرضين وبين الأرضين‏.‏ فأما غير الأرضين فهو مخمّس، وأما الأرضون فالتفويض فيها للإِمام بما يراه أصلح إن شاء قسّمها وخمس أهلها فهم أرقاء، وإن شاء أقرّ أهلها بها وجعل خراجاً عليها وعلى أنفسهم‏.‏

وهذه الآية اقتضت أن صنفاً مما أفاء الله على المسلمين لم يجعل الله فيه نصيباً للغزاة وبذلك تحصل معارضة بين مقتضاها وبين قصر آية الأنفال التي لم تجعل لمن ذكروا في هذه الآية إلا الخمس، فقال جمع من العلماء‏:‏ إن آية الأنفال نسخت حكم هذه الآية‏.‏ وقال جمع‏:‏ هذه الآية نسخت آيةَ الأنفال‏.‏

وقال قتادة‏:‏ كانت الغنائم في صدر الإِسلام لهؤلاء الأصناف الخمسة ثم نسخ ذلك بآية الأنفال، وبذلك قال زيد بن رومان‏:‏ قال القرطبي ونحوه عن مالك ا ه‏.‏ على أن سورة الأنفال سابقة في النزول على سورة الحشر لأن الأنفال نزلت في غنائم بدر وسورة الحشر نزلت بعدها بسنتين‏.‏

إلا أن يقول قائل‏:‏ إن آية الأنفال نزلت بعد آية الحشر تجديداً لما شرعه الله من التخميس في غنائم بدر، أي فتكون آية الحشر ناسخة لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة مغانم بدر، ثم نسخت آية الأنفال آية الحشر‏.‏ فيكون إلحاقها بسورة الأنفال بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وقال القرطبي‏:‏ قيل إن سورة الحشر نزلت بعد الأنفال، واتفقوا على أن تخميس الغنائم هو الذي استقر عليه العمل، أي بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبالإِجماع‏.‏

وليس يبعد عندي أن تكون القرى التي عنتها آية الحشر فتحت بحالة مترددة بين مجرد الفيء وبين الغنيمة، فشُرع لها حكم خاص بها، وإذ قد كانت حالتها غير منضبطة تعذر أن نقيس عليها ونُسخ حكمها واستقرّ الأمر على انحصار الفتوح في حالتين‏:‏ حالة الفيء المجرد وما ليس مجردَ فيء‏.‏ وسقط حكم آية الحشر بالنسخ أو بالإِجماع‏.‏ والإِجماع على مخالفة حكم النص يعتبر ناسخاً لأنه يتضمن ناسخاً‏.‏ وعن معمر أنه قال‏:‏ بلغني أن هذه الآية أي آية ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏ نزلت في أرض الخراج والجزْية‏.‏

ومن العلماء من حملها على أرض الكفار إذا أخذت عنوة مثل سواد العراق دون ما كان من أموالهم غير أرض‏.‏ كل ذلك من الحيرة في الجمع بين هذه الآية وآية سورة الأنفال مع أنها متقدمة على هذه مع ما روي عن عمر في قضية حكمه بين العباس وعلي، ومع ما فعله عُمر في سواد العراق، وقد عرفت موقع كل‏.‏ وستعرف وجه ما فعله عمر في سواد العراق عند الكلام على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين جاؤوا من بعدهم‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 10‏]‏‏.‏

ومن العلماء من جعل محمل هذه الآية على الغنائم كلها بناء على تفسيرهم الفيء بما يرادف الغنيمة‏.‏ وزعموا أنها منسوخة بآية الأنفال‏.‏ وتقدم ما هو المراد من ذكر اسم الله تعالى في عداد من لهم المغانم والفيءُ والأصناف المذكورة في هذه الآية تقدم بيانها في سورة الأنفال‏.‏

و ‏{‏كي لا يكون دولة‏}‏ الخ تعليل لما اقتضاه لام التمليك من جعله ملكاً لأصناف كثيرة الأفراد، أي جعلناه مقسوماً على هؤلاء لأجل أن لا يكون الفيء دُولة بين الأغنياء من المسلمين، أي لئلا يتداوله الأغنياء ولا ينال أهلَ الحاجة نصيب منه‏.‏

والمقصود من ذلك‏.‏ إبطال ما كان معتاداً في العرب قبل الإِسلام من استئثار قائد الجيش بأمور من المغانم وهي‏:‏ المرباع، والصفايا، وما صالح عليه عدوّه دون قتال، والنشيطة، والفضول‏.‏

قال عبد الله بن عَنمة الضبّيّ يخاطب بِسطام بنَ قيس سيد بني شيبان وقائدَهم في أيامهم‏:‏

لك المِرباع منها والصفايا *** وحُكْمك والنشيطَةُ والفُضُول

فالمرباع‏:‏ ربُع المغانم كان يستأثر به قائد الجيش‏.‏

والصفايا‏:‏ النفيس من المغانم الذي لا نظير له فتتعذر قسمته، كان يستأثر به قائد الجيش، وأما حُكمه فهو ما أعطاه العدوُّ من المال إذا نزلوا على حكم أمير الجيش‏.‏

والنشيطة‏:‏ ما يصيبه الجيش في طريقه من مال عدوّهم قبل أن يصلوا إلى موضع القتال‏.‏

والفُضُول‏:‏ ما يبْقى بعد قسمة المغانم مما لا يقبل القسمة على رؤوس الغُزاة مثل بعيرٍ وفرس‏.‏

وقد أبطل الإِسلام ذلك كله فجعل الفيء مصروفاً إلى ستة مصارف راجعة فوائدها إلى عموم المسلمين لسدّ حاجاتهم العامة والخاصة، فإن ما هو لله وللرسول صلى الله عليه وسلم إنما يجعله الله لما يأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل الخمس من المغانم كذلك لتلك المصارف‏.‏

وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دُولة بين الأمة الإِسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد مثل المَوات، والفيء، واللقطات، والركاز، أو كان جزءاً معيناً مثل‏:‏ الزكاة، والكفارات، وتخميس المغانم، والخراج، والمواريث، وعقود المعاملات التي بين جانبي مال وعمل مثل‏:‏ القراض والمغارسة، والمساقاة، وفي الأموال التي يظفر بها الظافر بدون عمل وسعي مثل‏:‏ الفيء والرّكاز، وما ألقاه البحر، وقد بينت ذلك في الكتاب الذي سميتُه «مقاصد الشريعة الإِسلامية»‏.‏

والدُولة بضم الدال‏:‏ ما يتداوله المتداولون‏.‏ والتداول‏:‏ التعاقب في التصرف في شيء‏.‏ وخصها الاستعمال بتداول الأموال‏.‏

والدَولة بفتح الدال‏:‏ النوبة في الغلبة والملك‏.‏ ولذلك أجمع القراء المشهورون على قراءتها في هذه الآية بضم الدال‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏كي لا يكون دولة‏}‏ بنصب ‏{‏دولةً‏}‏ على أنه خبر ‏{‏يكون‏}‏‏.‏ واسم ‏{‏يكون‏}‏ ضمير عائد إلى ما أفاء الله، وقرأه هشام عن ابن عامر، وأبو جعفر برفع ‏{‏دولةٌ‏}‏ على أنَّ ‏{‏يكون‏}‏ تامة و‏{‏دولةٌ‏}‏ فاعله‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏يكون‏}‏ بتحتية في أوله‏.‏ وقرأه أبو جعفر ‏{‏تكونَ‏}‏ بمثناة فوقية جرياً على تأنيث فاعله‏.‏ واختلف الرواة عن هشام فبعضهم روى عنه موافقة ‏(‏أي جعفر‏)‏ في تاء ‏{‏تكون‏}‏ وبعضهم روى عنه موافقة الجمهور في الياء‏.‏

والخطاب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بين الأغنياء منكم‏}‏ للمسلمين لأنهم الذين خوطبوا في ابتداء السورة بقوله‏:‏ ‏{‏ما ظننتم أن يخرجوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 2‏]‏ ثم قوله‏:‏ ‏{‏ما قطعتم من لينة‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 5‏]‏ وما بعده‏.‏ وجعله ابن عطية خطاباً للأنصار لأن المهاجرين لم يكن لهم في ذلك الوقت غنى‏.‏

والمراد ب ‏{‏الأغنياء‏}‏ الذين هم مظنة الغنى، وهم الغُزاة لأنهم أغنياء بالمغانم والأنفال‏.‏

‏{‏مِنكُمْ وَمَآ ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ‏}‏‏.‏

اعتراض ذيّل به حكم فَيْء بني النضير إذ هو أمر بالأخذ بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومما جاءت به هذه الآيات في شأن فيْء النضير، والواو اعتراضية، والقصد من هذا التذييل إزالة ما في نفوس بعض الجيش من حزازة حرمانهم مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أرض النضير‏.‏

والإِيتاء مستعار لتبليغ الأمر إليهم، جعل تشريعه وتبليغه كإيتاء شيء بأيديهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏خذوا ما آتيناكم بقوة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 63 و93‏]‏ واستعير الأخذ أيضاً لقبول الأمر والرضى به والعمل‏.‏

وقرينة ذلك مقابلته بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏ وهو تتميم لنوعي التشريع‏.‏ وهذه الآية جامعة للأمر باتباع ما يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل فيندرج فيها جميع أدلة السنة‏.‏ وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود‏:‏ أنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لعن الله الواشمات والمستوشمات ‏"‏‏.‏ الحديث‏.‏ فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها‏:‏ أم يعقوب فجاءته فقالت‏:‏ بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال لها‏:‏ وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله‏؟‏ فقالت‏:‏ لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول‏.‏ فقال‏:‏ لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأتِ‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏‏.‏

وعطف على هذا الأمر تحذير من المخالفة فأمرهم بتقوى الله فيما أمر به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وعطف الأمر بالتقوى على الأمر بالأخذ بالأوامر وترك المنهيات يدل على أن التقوى هي امتثال الأمر واجتناب النهي‏.‏

والمعنى‏:‏ واتقوا عقاب الله لأن الله شديد العقاب، أي لمن خالف أمره واقتحم نهيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

بدل مما يصلح أن يكون بدلاً منه من أسماء الأصناف المتقدمة التي دخلت عليها اللام مباشرة وعطفاً قوله‏:‏ ‏{‏ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏ بدل بعض من كل‏.‏

وأول فائدة في هذا البدل التنبيه على أن ما أفاء الله على المسلمين من أهل القرى المعْنية في الآية لا يجري قسمه على ما جرى عليه قسم أموال بني النضير التي اقتُصر في قسمها على المهاجرين وثلاثة من الأنصار ورابع منهم، فكأنه قيل‏:‏ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل لِلفقراء منهم لا مطلقاً، يدخل في ذلك المهاجرون والأنصار والذين آمنوا بعدهم‏.‏

وأعيد اللام مع البدل لربطه بالمبدل منه لانفصال ما بينهما بطول الكلام من تعليل وتذييل وتحذير‏.‏ ولإِفادة التأكيد‏.‏

وكثيراً ما يقترن البدل بمثل العامل في المبدل منه على وجه التأكيد اللفظي، وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا‏}‏ في سورة ‏[‏العقود‏:‏ 114‏]‏‏.‏ فبقي احتمال أن يكون قيداً ‏{‏لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏، فيتعين أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏للفقراء‏}‏ إلى آخره مسوقاً لتقييد استحقاق هؤلاء الأصناف وشأن القيود الواردة بعد مفردات أن ترجع إلى جميع ما قبلها، فيقتضي هذا أن يُشترط الفقر في كل صنف من هذه الأصناف الأربعة، لأن مطلقها قد قُيّد بقيد عَقب إطلاق، والكلام بأواخره فليس يجري هنا الاختلاف في حمل المطلق على المقيد، ولا تجري الصور الأربع في حمل المطلق على المقيد من اتحاد حكمهما وجنسهما‏.‏ ولذلك قال مالك وأبو حنيفة‏:‏ لا يعطى ذوو القربى إلا إذا كانوا فقراء لأنه عوض لهم عما حرموه من الزكاة‏.‏ وقال الشافعي وكثير من الفقهاء‏:‏ يشترط الفقر فيما عدا ذوي القربى لأنه حق لهم لأجل القرابة للنبيء صلى الله عليه وسلم قال إمام الحرمين‏:‏ أغلظ الشافعي الرد على مذهب أبي حنيفة بأن الله علق الاستحقاق بالقرابة ولم يشترط الحاجة، فاشتراطُها وعدمُ اعتبار القرابة يضارّه ويحَادّه‏.‏

قلت‏:‏ هذا محل النزاع فإن الله ذكر وصف اليتامى ووصف ابن السبيل ولم يشترط الحاجة‏.‏

واعتذر إمام الحرمين للحنفية بأن الصدقات لما حُرمت على ذوي القربى كانت فائدة ذكرهم في خمس الفيْء والمغانم أنه لا يمتنع صرفه إليهم امتناعَ صرف الصدقات، ثم قال‏:‏ لا تغترَّ بالاعتذار فإن الآية نص على ثبوت الاستحقاق تشريفاً لهم فمن علّله بالحاجة فَوّت هذا المعنى اه‏.‏

وعند التأمل تجد أن هذا الرد مدخول، والبحث فيه يطول‏.‏ ومحله مسائل الفقه والأصول‏.‏

ومن العلماء والمفسرين من جعل جملة ‏{‏للفقراء المهاجرين‏}‏ ابتدائية على حذف المبتدأ‏.‏ والتقدير‏:‏ ما أفاء الله على رسوله للمهاجرين الفقراء إلى آخر ما عطف عليه فتكون هذه مصارف أخرى للفيء، ومنهم من جعلها معطوفة بحذف حرف العطف على طريقة التعداد كأنه قيل‏:‏ فلله وللرسول، إلى آخره، ثم قيل‏:‏ ‏{‏للفقراء المهاجرين‏}‏‏.‏

فعلى هذين القولين ينتفي كونها قيداً للجملة التي قبلها، وتنفتح طرائق أخرى في حمل المطلق على المقيد، والاختلاف في شروط الحمل، وهي طرائق واضحة للمتأمل، وعلى الوجه الأول يكون المعوّل‏.‏

ووُصِف المهاجرون بالذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم تنبيهاً على أن إعطاءهم مراعىً جبر مَا نكبوا به من ضياع الأموال والديار، ومراعىً فيه إخلاصهم الإيمان وأنهم مكرّرُون نصرَ دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فذيل بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك هم الصادقون‏}‏‏.‏

واسم الإِشارة لتعظيم شأنهم وللتنبيه على أن استحقاقهم وصف الصادقين لأجل ما سبق اسمَ الإِشارة مِن الصفات وهي أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وابتغاؤهم فضلاً من الله ورضواناً ونصرهم الله ورسوله فإن الأعمال الخالصة فيما عملت لأجله يَشهد للإِخلاص فيها ما يلحق عاملها من مشاقّ وأذى وإضرار، فيستطيع أن يخلص منها لو ترك ما عمله لأجلها أو قصر فيه‏.‏

وجملة ‏{‏هم الصادقون‏}‏ مفيدة القصر لأجل ضمير الفصل وهو قصر ادعائي للمبالغة في وصفهم بالصدق الكامل كأنَّ صدق غيرهم ليس صدقاً في جانب صدقهم‏.‏

وموقع قوله‏:‏ ‏{‏أولئك هم الصادقون‏}‏ كموقع قوله‏:‏ ‏{‏وأولئك هم المفلحون‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

الأظهر أن ‏{‏الذين‏}‏ عطف على ‏{‏المهاجرين‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 8‏]‏ أي والذين تبوّؤا الدار‏.‏ والذين تبوّؤا الدار هم الأنصار‏.‏

والدّار تطلق على البلاد، وأصلُها مَوضع القبيلة من الأرض‏.‏ وأطلقت على القرية قال تعالى في ذكر ثمود ‏{‏فأصبحوا في دَارهم جاثمين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 78‏]‏، أي في مدينتهم وهي حجر ثمود‏.‏

والتعريف هنا للعهد لأن المراد بالدار‏:‏ يثرب، والمعنى الذين هم أصحاب الدار‏.‏ هذا توطئة لقوله‏:‏ ‏{‏يحبون من هاجر إليهم‏}‏‏.‏

والتبوُّء‏:‏ اتخاذ المباءة وهي البُقعة التي يَبوء إليها صاحبها، أي يرجع إليها بعد انتشاره في أعماله‏.‏ وفي موقع قوله‏:‏ ‏{‏والإيمان‏}‏ غموض إذ لا يصح أن يكون مفعولاً لفعل تبوَّءوا، فتأوله المفسرون على وجهين‏:‏ أحدهما أن يجعل الكلام استعارة مكنية بتشبيه الإِيمان بالمَنْزل وجعْل إثبات التَّبَوُّءِ تخييلاً فيكون فعل تبوأوا مستعملاً في حقيقته ومجازه‏.‏

وجمهور المفسرين جعلوا المعطوف عاملاً مقدراً يدلّ عليه الكلام، تقديره‏:‏ وأخلصوا الإِيمان على نحو قول الراجز الذي لا يعرف‏:‏

علفتها تبناً وماءً بارداً ***

وقول عبد الله بن الزِّبَعْرَى‏:‏

يا ليت زوجَككِ قد غدا *** متقلداً سيفاً ورمحاً

أي وممسكاً رمحاً وهو الذي درج عليه في «الكشاف»‏.‏ وقيل الواو للمعية‏.‏ و‏{‏الإِيمانَ‏}‏ مفعول معه‏.‏

وعندي أن هذا أحسن الوجوه، وإن قلّ قائلوه‏.‏ والجمهور يجعلون النصب على المفعول معه سماعياً فهو عندهم قليل الاستعمال فتجنبوا تخريج آيات القرآن عليه حتى ادعى ابن هشام في «مُغني اللبيب» أنه غير واقع في القرآن بيقين‏.‏ وتأول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأَجمِعُوا أمرَكم وشركاءَكم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 71‏]‏، ذلك لأن جمهور البصريين يشترطون أن يكون العامل في المفعول معه هو العاملَ في الاسم الذي صاحَبَه ولا يرون واو المعية ناصبة المفعول معه خلافاً للكوفيين والأخفش فإن الواو عندهم بمعنى ‏(‏مع‏)‏‏.‏ وقال عبد القاهر‏:‏ منصوب بالواو‏.‏

والحق عدم التزام أن يكون المفعول معه معمولاً للفعل، ألا ترى صحة قول القائل‏:‏ استوى الماء والخشبةَ‏.‏ وقولهم‏:‏ سرْتُ والنيلَ، وهو يفيد الثناء عليهم بأن دار الهجرة دارُهم آووا إليها المهاجرين لأنها دار مؤمنين لا يماثلها يومئذٍ غيرها‏.‏

وبذلك يتضح أن متعلق ‏{‏من قبلهم‏}‏ فعل ‏{‏تبوؤا‏}‏ بمفرده، وأن المجرور المتعلق به قيدٌ فِيه دون ما ذكر بعد الواو لأن الواو ليست واو عطف فلذلك لا تكون قائمة مقام الفعل السابق لأن واو المعية في معنى ظرف فلا يعلق بها مجرور‏.‏

وفي ذكر الدار ‏(‏وهي المدينة‏)‏ مع ذكر الإِيمان إيماء إلى فضيلة المدينة بحيث جعل تبوّءهم المدينة قرين الثناء عليهم بالإِيمان ولعل هذا هو الذي عناه مالك رحمه الله فيما رواه عنه ابن وهب قال‏:‏ سمعت مالكاً يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق‏.‏ فقال‏:‏ إن المدينة تبوّئت بالإِيمان والهجرة وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ‏:‏ ‏{‏والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم‏}‏ الآية‏.‏

وجملة ‏{‏يحبون من هاجر إليهم‏}‏ حال من الذين تَبَوَّؤُوا الدار، وهذا ثناء عليهم بما تقرر في نفوسهم من أخوة الإِسلام إذ أحبوا المهاجرين، وشأن القبائل أن يتحرجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم لمضايقتهم‏.‏

ومن آثار هذه المحبة ما ثبت في «الصحيح» من خبر سعد بن الربيع مع عبد الرحمان بن عوف إذ عرض سعد عليه أن يقاسمه ماله وأن يَنزل له عن إحدى زوجتيه، وقد أسكنوا المهاجرين معهم في بيوتهم ومنحوهم من نخيلهم، وحسبك الأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا‏}‏ أريد بالوجدان الإِدراك العقلي، وكنى بانتفاء وجدان الحاجة عن انتفاء وجودها لأنها لو كانت موجودة لأدركوها في نفوسهم وهذا من باب قول الشاعر‏:‏

ولا ترى الضبّ بها ينجحر ***

والحاجة في الأصل‏:‏ اسم مَصدرِ الحَوْج وهو الاحتياج، أي الافتقار إلى شيء، وتطلق على الأمر المحتاج إليه من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وهي هنا مجاز في المأْرب والمرادِ، وإطلاق الحاجة إلى المأرب مجاز مشهور ساوى الحقيقة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 80‏]‏، أي لتبلغوا في السفر عليها المأْرب الذي تسافرون لأجله، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 68‏]‏ أي مأربا مُهمّا وقول النابغة‏:‏

أيامَ تخبرني نُعْمٌ وأَخْبِرُها *** ما أكتُم الناسَ من حاجِي وإسراري

وعليه فتكون ‏(‏مِن‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏مما أوتوا‏}‏ ابتدائية، أي مأرباً أو رغبة ناشئة من فَيْء أُعْطِيهُ المهاجرون‏.‏ والصدور مراد بها النفوس جمع الصدر وهو الباطن الذي فيه الحواس الباطنة وذلك كإطلاق القلب على ذلك‏.‏

و ‏(‏ما أوتوا‏)‏ هو فيء بني النضير‏.‏

وضمير ‏{‏صدورهم‏}‏ عائد إلى ‏{‏الذين تَبَوَّؤُا الدار‏}‏، وضمير ‏{‏أوتوا‏}‏ عائد إلى ‏{‏من هاجر إليهم‏}‏، لأن من هاجر جماعة من المهاجرين فروعي في ضمير معنى ‏(‏مَنْ‏)‏ بدون لفظها‏.‏ وهذان الضميران وإن كانا ضميري غيبة وكانا مقتربَين فالسامع يرد كل ضمير إلى معاده بحسب السياق مثل ‏(‏ما‏)‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعمروها أكثر مما عمروها‏}‏ في سورة ‏[‏الروم‏:‏ 9‏]‏‏.‏ وقول عباس بن مرداس يذكر انتصار المسلمين مع قومه بني سُليم على هَوازن‏:‏

عُدنا ولولا نَحنُ أحدَق جمعهم

بالمسلمين وأحرزوا ما جمَّعوا

‏(‏أي أحرز جيش هوازن ما جمّعه جيش المسلمين‏)‏‏.‏

والمعنى‏:‏ أنهم لا يخامر نفوسهم تشوف إلى أخذ شيء مما أوتيه المهاجرون من فيْء بني النضير‏.‏

ويجوز وجه آخر بأن يحمل لفظ حاجة على استعماله الحقيقي اسم مصدر الاحتياج فإن الحاجة بهذا المعنى يصح وقوعها في الصدور لأنها من الوجدانيات والانفعالات‏.‏ ومعنى نفي وجدان الاحتياج في صدورهم أنهم لفرط حبهم للمهاجرين صاروا لا يخامر نفوسهم أنهم مفتقرون إلى شيء مما يُؤتاه المهاجرون، أي فهم أغنياء عما يؤتاه المهاجرون فلا تستشرف نفوسهم إلى شيء مما يؤتاه المهاجرون بَلْهَ أن يتطلبوه‏.‏

وتكون ‏(‏مِن‏)‏ في قوله تعالى‏:‏ مما أوتوا‏}‏ للتعليل، أي حاجة لأجل ما أوتيه المهاجرون، أو ابتدائية، أي حاجة ناشئة عما أوتيه المهاجرون فيفيد انتفاء وجدان الحاجة في نفوسهم وانتفاء أسباب ذلك الوجدان ومناشئِه المعتادة في الناس تبعاً للمنافسة والغبطة، وقد دل انتفاء أسباب الحاجة على متعلق حاجة المحذوف إذ التقدير‏:‏ ولا يجدون في نفوسهم حاجة لشيء أوتيه المهاجرون‏.‏

والإيثار‏:‏ ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة‏.‏

والمعنى‏:‏ يُؤثرونَ على أنفسهم في ذلك اختياراً منهم وهذا أعلى درجة مما أفاده قوله‏:‏ ‏{‏ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا‏}‏ فلذلك عقب به ولم يُذكر مفعول ‏{‏يُؤثِرونَ‏}‏ لدلالة قوله‏:‏ ‏{‏مما أوتوا‏}‏ عليه‏.‏

ومن إيثارهم المهاجرين ما روي في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الأنصار ليقطع لهم قطائع بنخل البحرين فقالوا‏:‏ لا إلا أن تقطع لإِخواننا من المهاجرين مثلها‏.‏

وإما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال‏:‏ «أتى رجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله أصابني الجهد‏.‏ فأرسل في نسائه فلم يجد عندهنّ شيئاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألاَ رجل يُضيف هذا الليلةَ رحمه الله، فقام رجل من الأنصار ‏(‏هو أبو طلحة‏)‏ فقال‏:‏ أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته‏:‏ هذا ضيف رسول الله لا تدَّخريه شيئاً، فقالت‏:‏ والله ما عندي إلا قُوتُ الصِبية‏.‏ قال‏:‏ فإذا أراد الصبية العَشاء فنوِّميهم وتعالَي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة‏.‏ فإذا دخل الضيف فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج تُري أنككِ تصلحينه فأطفئيه وأَرِيه أنَّا نأكل‏.‏ فقعدوا وأكل الضيف‏.‏

وذكرت قصص من هذا القبيل في التفاسير، قيل‏:‏ نزلت هذه الآية في قصة أبي طلحة وقيل غير ذلك‏.‏

وجملة ‏{‏ولو كان بهم خصاصة‏}‏ في موضع الحال‏.‏

و ‏{‏لو‏}‏ وصلية وهي التي تدل على مجرد تعليق جوابها بشرط يفيد حالة لا يُظنّ حصول الجواب عند حصولها‏.‏ والتقدير‏:‏ لو كان بهم خصاصة لآثروا على أنفسهم فيُعلم أن إيثارهم في الأحوال التي دون ذلك بالأحرى دون إفادة الامتناع‏.‏ وقد بينا ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به‏}‏ في سورة ‏[‏آل عمران‏:‏ 91‏]‏‏.‏

والخصاصة‏:‏ شدة الاحتياج‏.‏

وتذكير فعل كان‏}‏ لأجل كون تأنيث الخصاصة ليس حقيقياً، ولأنه فُصل بين ‏{‏كان‏}‏ واسمها بالمجرور‏.‏ والباء للملابسة‏.‏

وجملة ‏{‏ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون‏}‏ تذييل، والواو اعتراضية، فإن التذييل من قبيل الاعتراض في آخر الكلام على الرأي الصحيح‏.‏ وتذييل الكلام بذكر فضل من يوقون شح أنفسهم بعد قوله‏:‏ ‏{‏ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة‏}‏ يشير إلى أن إيثارهم على أنفسهم حتى في حالة الخصاصة هو سلامة من شح الأنفس فكأنه قيل لسلامتهم من شح الأنفس ‏{‏ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون‏}‏‏.‏

والشح بضم الشين وكسرها‏:‏ غريزة في النفس بمَنْع ما هو لها، وهو قريب من معنى البخل‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ الفرق بين الشح والبخل عسير جداً وقد أشار في «الكشاف» إلى الفرق بينهما بما يقتضي أن البخل أثر الشح وهو أن يمنع أحد ما يراد منه بَذْلُه وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأحضرت الأنفس الشح‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 128‏]‏ أي جعل الشح حاضراً معها لا يفارقها، وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس‏.‏

وفي الحديث في بيان أفضل الصدقة «أن تصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمُل الغِنى» ولكن النفوس تتفاوت في هذا المقدار فإذا غلب عليها بمنع المعروف والخير فذلك مذموم ويتفاوت ذمه بتفاوت ما يمنعه‏.‏ قال وقد أحسن وصفه من قال، لم أقف على قائله‏:‏

يمارس نفساً بين جَنْبَيْه كَزَّةً *** إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلاً

فمن وقي شح نفسه، أي وُقي من أن يكون الشح المذموم خُلقاً له، لأنه إذا وُقي هذا الخُلقَ سلِم من كل مواقع ذمه‏.‏ فإن وقي من بعضه كان له من الفلاح بمقدار ما وُقيه‏.‏

واسم الإِشارة لتعظيم هذا الصنف من الناس‏.‏

وصيغة القصر المؤداة بضمير الفصل للمبالغة لكثرة الفلاح الذي يترتب على وقاية شح النفس حتى كأن جنس المفلح مقصور على ذلك المُوقَى‏.‏

ومن المفسرين من جعل ‏{‏والذين تبوؤا الدار‏}‏ ابتداء كلام للثناء على الأنصار بمناسبة الثناء على المهاجرين وهؤلاء لم يجعلوا للأنصار حظاً في ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى وقصروا قوله‏:‏ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏ على قرى خاصة هي‏:‏ قريظة‏.‏ وفَدَك، وخيبر‏.‏ والنفع، وعُرينة، ووادي القُرى، ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه فيئَها قال للأنصار‏:‏ ‏"‏ إن شئتم قاسمتم المهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذا ‏"‏‏؟‏ فقالوا‏:‏ بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة، فنزلت آيةُ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏ الآية ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏‏.‏

ومنهم من قصر هذه الآية على فَيء بني النضير وكل ذلك خروج عن مهيع انتظام آي هذه السورة بعضها مع بعض وتفكيك لنظم الكلام وتناسبه مع وهن الأخبار التي رووها في ذلك فلا ينبغي التعويل عليه‏.‏ وعلى هذا التفسير يكون عطف ‏{‏والذين تبوؤا الدار‏}‏ عطفَ جملةٍ على جملة، واسم الموصول مبتدأ وجملة ‏{‏يحبون من هاجر إليهم‏}‏ خبراً عن المبتدأ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

عطف على ‏{‏والذين تبوؤا الدار‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏ على التفسيرين المتقدمين؛ فأما على رأي من جعلوا ‏{‏والذين تبوءوا الدار‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏ معطوفاً على ‏{‏للفقراء المهاجرين‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 8‏]‏ جعلوا ‏{‏الذين جاؤوا من بعدهم‏}‏ فريقاً من أهل القُرى، وهو غير المهاجرين والأنصار بلْ هو من جاء إلى الإِسلام بعد المهاجرين والأنصار، فضمير ‏{‏من بعدهم‏}‏ عائد إلى مجموع الفريقين‏.‏

والمجيء مستعمل للطروِّ والمصير إلى حالة تماثل حالهم، وهي حالة الإِسلام، فكأنهم أتوا إلى مكان لإِقامتهم، وهذا فريق ثالث وهؤلاء هم الذين ذُكروا في قوله تعالى بعدَ ذكر المهاجرين والأنصار ‏{‏والذين اتَّبعوهم بإحسان‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 100‏]‏ أي اتبعوهم في الإِيمان‏.‏

وإنما صيغ ‏{‏جاءوا‏}‏ بصيغة الماضي تغليباً لأن من العرب وغيرهم من أسلموا بعد الهجرة مثل غِفارة، ومُزينة، وأسلم، ومثل عبد الله بن سَلاَم، وسلمان الفارسي، فكأنه قيل‏:‏ الذين جاؤوا ويجيئون، بدلالة لحن الخطاب‏.‏ والمقصود من هذا‏:‏ زيادة دفع إيهام أن يختص المهاجرون بما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أهل القرى كما اختصهم النبي صلى الله عليه وسلم بفيْء بني النضير‏.‏

وقد شملت هذه الآية كل من يوجد من المسلمين أبد الدهر، وعلى هذا جرى فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏ روى البخاري من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال‏:‏ قال عمر‏:‏ لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها ‏(‏أي الفاتحين‏)‏ كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر‏.‏

وذكر القرطبي‏:‏ أن عمر دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه وقال لهم‏:‏ تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليَّ فلما غدَوا عليه قال‏:‏ قد مررت بالآيات التي في سورة الحشر وتلا ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أولئك هم الصادقون‏}‏ ‏(‏7، 8‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ما هي لهؤلاء فقط وتلا قوله‏:‏ والذين جاءوا من بعدهم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏رؤوف رحيم‏}‏ ثم قال‏:‏ ما بقي أحد من أهل الإِسلام إلا وقد دخل في ذلك اه‏.‏

وهذا ظاهر في الفيء، وأما ما فُتح عنوة فمسألة أخرى ولعمر بن الخطاب في عدم قسمته سوادَ العراق بين الجيش الفاتحين له عمل آخر، وهو ليس من غرضنا‏.‏ ومحله كتب الفقه والحديث‏.‏

والفريق من المفسرين الذين جعلوا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين تبوءوا الدار والإيمان‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏ كلاماً مستأنفاً، وجعل ‏{‏يحبون من هاجر إليهم‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏ خبراً عن اسم الموصول، جعلوا قوله‏:‏ ‏{‏والذين جاءوا من بعدهم‏}‏ كذلك مستأنفاً‏.‏

ومن الذين جعلوا قوله‏:‏ ‏{‏والذين تبوءوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 9‏]‏ معطوفاً على ‏{‏للفقراء المهاجرين‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 8‏]‏ من جعل قوله‏:‏ ‏{‏والذين جاءوا من بعدهم‏}‏ مستأنفاً‏.‏ ونسبه ابن الفرس في «أحكام القرآن» إلى الشافعي‏.‏ ورأى أن الفيء إذا كان أرضاً فهو إلى تخيير الإِمام وليس يتعين صرفه للأصناف المذكورة في فيء بني النضير‏.‏

وجملة ‏{‏يقولون ربنا اغفر لنا‏}‏ على التفسير المختار في موضع الحال من ‏{‏الذين جاؤوا من بعدهم‏}‏‏.‏

والغلّ بكسر الغين‏:‏ الحسد والبغض، أي سألوا الله أن يطَهر نفوسهم من الغلّ والحسد للمؤمنين السابقين على ما أعطُوه من فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وما فُضّل به بعضهم من الهجرة وبعضهم من النصرة، فبيّن الله للذين جاؤا من بعدهم ما يكسبهم فضيلة ليست للمهاجرين والأنصار، وهي فضيلة الدعاء لهم بالمغفرة وانطواء ضمائرهم على محبتهم وانتفاء البغض لهم‏.‏

والمراد أنهم يضمرون ما يدعون الله به لهم في نفوسهم ويرضوا أنفسهم عليه‏.‏

وقد دلت الآية على أن حقاً على المسلمين أن يَذكروا سلفهم بخير، وأن حقاً عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم، قال مالك‏:‏ من كان يبغض أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو كان قلبه عليه غل فليس له حق في فيْء المسلمين، ثم قرأ ‏{‏والذين جاءوا من بعدهم‏}‏ الآية‏.‏

فلعله أخذ بمفهوم الحال من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يقولون ربنا اغفر لنا‏}‏ الآية، فإن المقصد من الثناء عليهم بذلك أن يضمروا مضمونه في نفوسهم فإذا أضمروا خلافه وأعلنوا بما ينافي ذلك فقد تخلف فيهم هذا الوصف، فإن الفيء عطية أعطاها الله تلك الأصناف ولم يكتسبوها بحق قتال، فاشترط الله عليهم في استحقاقها أن يكونوا محبين لسلفهم غير حاسدين لهم‏.‏

وهو يعني إلا ما كان من شنآن بين شخصين لأسباب عادية أو شرعية مثل ما كان بين العباس وعليّ حين تحاكما إلى عمر، فقال العباس‏:‏ اقض بيني وبين هذا الظالم الخائن الغادر‏.‏ ومثل إقامة عمر حدّ القذف على أبي بَكرة‏.‏

وأما ما جرى بين عائشة وعليّ من النزاع والقتال وبين عليّ ومعاوية من القتال فإنما كان انتصاراً للحق في كلا رأيَي الجانبين وليس ذلك لغلّ أو تنقص، فهو كضرب القاضي أحداً تأديباً له فوجب إمساك غيرهم من التحَزب لهم بعدهم فإنه وإن ساغ ذلك لآحادِهم لتكافئ درجاتهم أو تقاربها‏.‏ والظنِّ بهم زوال الحزازات من قلوبهم بانقضاء تلك الحوادث، لا يسوغ ذلك للأذناب من بعدهم الذين ليسوا منهم في عير ولا نفير، وإنما هي مسحَة من حمية الجاهلية نَخرت عضد الأمة المحمدية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

أعقب ذكر ما حلّ ببني النضير وما اتصل به من بيان أسبابه، ثم بياننِ مصارف فيْئهم وفَيْء ما يُفتح من القرى بعد ذلك، بذكر أحوال المنافقين مع بني النضير وتغريرهم بالوعود الكاذبة ليعلم المسلمون أن النفاق سجية في أولئك لا يتخلون عنه ولو في جانب قوم هم الذين يودُّون أن يظهروا على المسلمين‏.‏

والجملة استئناف ابتدائي والاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المنافقين فبني على نفي العلم بحالهم كناية عن التحريض على إيقاع هذا العلم كأنه يقول‏:‏ تأمَّل الذين نافقوا في حال مقالتهم لإِخوانهم ولا تترك النظر في ذلك فإنه حال عجيب، وقد تقدم تفصيل معنى‏:‏ ‏{‏ألم تر‏}‏ إلى كذا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 243‏]‏‏.‏

وجملة يقولون‏}‏ في موضع المفعول الثاني‏.‏ والتقدير‏:‏ ألم تَرَهم قائلين‏.‏ وجيء بالفعل المضارع لقصد تكرر ذلك منهم، أي يقولون ذلك مؤكّدينه ومكرِّرينه لا على سبيل البداء أو الخاطر المعدول عنه‏.‏

و ‏{‏الذين نافقوا‏}‏ المخبر عنهم هنا هم فريق من بني عوف من الخزرج من المنافقين سمي منهم عبد الله بنُ أُبيّ ابنُ سلول، وعبد الله بن نبتَل، ورفاعة بن زيد، ورافعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، ووديعة بن أبي قوتل، أو ابن قوقل، وسويد ‏(‏لم يُنسب‏)‏ وداعس ‏(‏لم ينسب‏)‏، بَعثوا إلى بني النضير حين حاصر جيش المسلمين بني النضير يقولون لهم‏:‏ اثبتوا في معاقلكم فإنَّا معكم‏.‏

والمراد بإخوانهم بنو النضير وإنما وصفهم بالإِخوة لهم لأنهم كانوا متّحدين في الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وليست هذه أخوة النسب فإن بني النضير من اليهود، والمنافقين الذين بَعثوا إليهم من بني عوف من عرب المدينة وأصلهم من الأزد‏.‏

وفي وصف إخوانهم ب ‏{‏الذين كفروا‏}‏ إيماء إلى أن جانب الأخوة بينهم هو الكفر إلا أن كفر المنافقين كفرُ الشرك وكفر إخوانهم كفر أهل الكتاب وهو الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم

ولام ‏{‏لئن أخرجتم‏}‏ موطئة للقسم، أي قالوا لهم كلاماً مؤكداً بالقسم‏.‏

وإنما وعدوهم بالخروج معهم ليطمئنُّوا لنصرتهم فهو كناية عن النصر وإلاَّ فإنهم لا يرضون أن يفارقوا بلادهم‏.‏

وجملة ‏{‏ولا نطيع فيكم أحداً‏}‏ معطوفة على جملة ‏{‏لئن أخرجتم‏}‏ فهي من المقول لا من المقسَم عليه، وقد أُعريت عن المؤكد لأن بني النضير يعلمون أن المنافقين لا يطيعون الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين فكان المنافقون في غنية عن تحقيق هذا الخبر‏.‏

ومعنى ‏{‏فيكم‏}‏ في شأنكم، ويعرف هذا بقرينة المقام، أي في ضركم إذ لا يخطر بالبال أنهم لا يطيعُون من يَدعوهم إلى موالاة إخوانهم، ويقدر المضاف في مثل هذا بما يناسب المقام‏.‏ ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم،‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 52‏]‏ أي في الموالاة لهم‏.‏ ومعنى ‏{‏لننصرنكم‏}‏ لنعيننكم في القتال‏.‏ والنصر يطلق على الإِعانة على المعادي‏.‏ وقد أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنهم كاذبون في ذلك بعد ما أعلمه بما أقسموا عليه تطميناً لخاطره لأن الآية نزلت بعد إجْلاء بني النضير وقبل غزو قريظة لئلا يتوجس الرسول صلى الله عليه وسلم خِيفة من بأس المنافقين، وسمى الله الخبر شهادة لأنه خبر عن يقين بمنزلة الشهادة التي لا يتجازف المخبر في شأنها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الادبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ‏}‏‏.‏

بيان لجملة ‏{‏والله يشهد إنهم لكاذبون‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 11‏]‏‏.‏

واللام موطئة للقسم وهذا تأكيد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يضرّوه شيئاً لكيلا يعبأ بما بلغه من مقالتهم‏.‏

وضمير ‏{‏أخرجوا‏}‏ و‏{‏قوتلوا‏}‏ عائدان إلى ‏{‏الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 11‏]‏، أي الذين لم يخرجوا ولما يقاتلوا وهم قريظة وخيبر، أما بنو النضير فقد أُخْرِجُوا قبل نزول هذه السورة فهم غير معنيين بهذا الخبر المستقبل‏.‏ والمعنى‏:‏ لئن أخرج بقية اليهود في المستقبل لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا في المستقبل لا ينصرونهم‏.‏ وقد سلك في هذا البيان طريق الإِطناب‏.‏ فإن قوله‏:‏ ‏{‏والله يشهد إنهم لكاذبون‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 11‏]‏ جمع ما في هاتين الجملتين فجاء بيانه بطريقة الإِطناب لزيادة تقرير كذبهم‏.‏

‏{‏يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الادبار ثُمَّ لاَ‏}‏‏.‏

ارتقاء في تكذيبهم على ما وعدوا به إخوانهم، والواو واو الحال وليست واو العطف‏.‏

وفعل نصروهم إرادة وقوع الفعل بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏ليولن الأدبار ثم لا ينصرون‏}‏ فيكون إطلاق الفعل على إرادته مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 98‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 226‏]‏، أي يريدون العود إلى ما امتنعوا منه بالإِيلاء‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه لو فرض أنهم أرادوا نصرهم فإن أمثالهم لا يترقب منهم الثبات في الوغَى فلو أرادوا نصرهم وتجهّزوا معهم لفرّوا عند الكريهة وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 47‏]‏‏.‏

ويجوز أن يكون أطلق النصر على الإِعانة بالرجال والعتاد وهو من معاني النصر‏.‏

و ‏{‏ثمّ‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏ثم لا ينصرون‏}‏ للتراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل فإن انتفاء النصر أعظم رتبة في تأييس أهل الكتاب من الانتفاع بإعانة المنافقين فهو أقوى من انهزام المنافقين إذا جاؤوا لإِعانة أهل الكتاب في القتال‏.‏

والنصر هنا بمعنى‏:‏ الغلب‏.‏

وضمير ‏{‏لا ينصرون‏}‏ عائد إلى الذين كفروا من أهل الكتاب إذ الكلام جارٍ على وعد المنافقين بنصر أهل الكتاب‏.‏

والمقصود تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وتأمينهم من بأس أعدائهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

لما كان المقصود من ذكر وهن المنافقين في القتال تشديد نفس النبي صلى الله عليه وسلم وأنفُسسِ المؤمنين حتى لا يرهبوهم ولا يخشوا مساندتهم لأهل حرب المسلمين أحلاف المنافقين قريظة وخيبر أعقب ذلك بإعلام المؤمنين بأن المنافقين وأحلافهم يخشون المسلمين خشية شديدة وُصفت شدتها بأنها أشد من خشيتهم الله تعالى، فإن خشية جميع الخلق من الله أعظم خشية فإذا بلغت الخشية في قلب أحد أن تكون أعظم من خشية الله فذلك منتهى الخشية‏.‏

والمقصود تشديد نفوس المسلمين ليعلموا أن عدوّهم مُرهَب منهم، وذلك مما يزيد المسلمين إقداماً في محاربتهم إذ ليس سياق الكلام للتسجيل على المنافقين واليهود قلة رهبتهم لله بل إعلام المسلمين بأنهم أرهب لهم من كل أعظم الرهبات‏.‏

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين‏.‏

والصدور مراد بها‏:‏ النفوس والضمائر لأن محل أجهزتها في الصدور‏.‏

والرَّهبة‏:‏ مصدر رهب، أي خاف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏في صدورهم‏}‏ ل ‏{‏رهبة‏}‏ فهي رهبة أولئك‏.‏

وضمير ‏{‏صدورهم‏}‏ عائد إلى ‏{‏الذين نافقوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 11‏]‏ و‏{‏الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 11‏]‏ إذ ليس اسم أحد الفريقين أولى بعود الضمير إليه مع صلاحية الضمير لكليهما، ولأن المقصودِين بالقتال هم يهود قريظة وخيبر وأما المنافقون فكانوا أعواناً لهم‏.‏

وإسناد ‏{‏أشَدّ‏}‏ إلى ضمير المسلمين المخاطبين إسناد سببيّ كأنه قيل‏:‏ لرهبتكم في صدورهم أشد من رهبة فيها‏.‏ فالرهبة في معنى المصدر المضاف إلى مفعوله، وكل مصدر لفعل متعدّ يحتمل أن يضاف إلى فاعله أو إلى مفعوله، ولذلك فسره الزمخشري بأشد مرهوبية‏.‏

و ‏{‏من الله‏}‏ هو المفضل عليه، وهو على حذف مضاف، أي من رهبة الله، أي من رهبتهم الله كما قال النابغة‏:‏

وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي *** على وَعِللٍ في ذي المطارة عاقل

أي على مخافة وَعل‏.‏

وهذا تركيب غريب النسج بديعه‏.‏ والمألوف في أداء مثل هذا المعنى أن يقال‏:‏ لَرهبتهم منكم في صدورهم أشد من رهبتهم من الله، فحُوّل عن هذا النسج إلى النسج الذي حبك عليه في الآية، ليتأتّى الابتداء بضمير المسلمين اهتماماً به وليكون متعلّق الرهبة ذوات المسلمين لتوقع بطشهم وليأتي التمييز المحول عن الفاعل لما فيه من خصوصية الإِجمال مع التفصيل كما تقرر في خصوصية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واشتعل الرأس شيباً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 4‏]‏ دون‏:‏ واشتعل شيبُ رأسي‏.‏ وليتأتى حذف المضاف في تركيب ‏{‏من الله‏}‏، إذ التقدير‏:‏ من رهبة الله لأن حذفه لا يحسن إلا إذا كان موقعه متصلاً بلفظ ‏{‏رهبة‏}‏، إذ لا يحسن أن يقال‏:‏ لرهبتهم أشد من الله‏.‏ وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية‏}‏ في سورة ‏[‏النساء‏:‏ 77‏]‏‏.‏

فاليهود والمنافقون من شأنهم أن يخشوا الله‏.‏

أما اليهود فلأنهم أهل دين فَهُم يخافون الله ويحذرون عقاب الدنيا وعقاب الآخرة‏.‏ وأما المنافقون فهم مشركون وهم يعترفون بأن الله تعالى هو الإله الأعظم، وأنه أولى الموجودات بأن يخشى لأنه ربّ الجميع وهم لا يثبتون البعث والجزاءَ فخشيتهم الله قاصرة على خشية عذاب الدنيا من خسف وقحط واستئصال ونحو ذلك وليس وراء ذلك خشية‏.‏ وهذا بشارة للنبيء والمسلمين بأن الله أوقع الرعب منهم في نفوس عدوّهم كما قال النبي‏:‏ نُصِرت بالرعب مسيرة شهر‏.‏

ووجه وصف الرهبة بأنها في صدورهم الإِشارة إلى أنها رهبة جدُّ خفيّة، أي أنهم يتظاهرون بالاستعداد لحرب المسلمين ويتطاولون بالشجاعة ليرهبهم المسلمون وما هم بتلك المثابة فأطلع الله رسوله على دخيلتهم فليس قوله‏:‏ في صدورهم‏}‏ وصفاً كاشفاً‏.‏

وإذ قد حصلت البشارة من الخبر عن الرعب الذي في قلوبهم ثُنّي عنان الكلام إلى مذمّة هؤلاء الأعداء من جراء كونهم أخوفَ للناس منهم لله تعالى بأن ذلك من قلة فقه نفوسهم، ولو فقهوا لكانوا أخوف لله منهم للناس فنظروا فيما يخلصهم من عقاب التفريط في النظر في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فعلموا صدقهُ فنجَوا من عواقب كفرهم به في الدنيا والآخرة فكانت رهبتهم من المسلمين هذه الرهبة مصيبة عليهم وفائدة للمسلمين‏.‏

فالجملة معترضة بين البيان ومبيّنه‏.‏

والإِشارة بذلك إلى المذكور من قوله‏:‏ ‏{‏لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله‏}‏ واجتلاب اسم الإِشارة ليتميز الأمر المحكوم عليه أتم تمييز لغرابته‏.‏

والباء للسببية والمجرورُ خبر عن اسم الإِشارة، أي سبب ذلك المذكور وهو انتفاء فقاهتهم‏.‏

وإقحام لفظ ‏{‏قوم‏}‏ لما يؤذن به من أن عدم فقه أنفسهم أمر عرفوا به جميعاً وصار من مقومات قَوميتهم لا يخلو عنه أحد منهم، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله‏:‏ ‏{‏لآيات لقوم يعقلون‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 164‏]‏‏.‏

والفقه‏:‏ فهم المعاني الخفية، وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً‏}‏ في سورة ‏[‏النساء‏:‏ 78‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏انظر كيف نصرّف الآيات لعلّهم يفقهون‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 65‏]‏، ذلك أنهم تَبِعوا دواعي الخوف المشاهد وذهلوا عن الخوف المغيب عن أبصارهم، وهو خوف الله فكان ذلك من قلة فهمهم للخفيّات‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏لاَ يقاتلونكم جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ‏}‏‏.‏

هذه الجملة بدل اشتمال من جملة ‏{‏لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 13‏]‏، لأن شدة الرهبة من المسلمين تشتمل على شدة التحصّن لقتالهم إياهم، أي لا يقدرون على قتالكم إلاّ في هاته الأحوال والضمير المرفوع في ‏{‏يقاتلونكم‏}‏ عائد إلى ‏{‏الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏جميعاً‏}‏ يجوز أن يكون بمعنى كلهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى الله مرجعكم جميعاً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏ فيكون للشمول، أي كلهم لا يقاتلونكم اليهود والمنافقون إلا في قرى محصنّة الخ‏.‏

ويجوز أن يكون بمعنى مجتمعين، أي لا يقاتلونكم جيوشاً كشأن جيوش المتحالفين فإن ذلك قتال من لا يقبعون في قُراهم فيكون النفي منصّباً إلى هذا القيد، أي لا يجتمعون على قتالكم اجتماع الجيوش، أي لا يهاجمونكم ولكن يقاتلون قتال دفاع في قراهم‏.‏

واستثناء ‏{‏إلا في قرى‏}‏ على الوجه الأول في ‏{‏جميعاً‏}‏ استثناء حقيقي من عموم الأحوال، أي لا يقاتلونكم كلهم في حال من الأحوال إلا في حال الكون في قرى محصّنة الخ‏.‏ وهو على الوجه الثاني في ‏{‏جميعاً‏}‏ استثناء منقطع لأن القتال في القرى ووراء الجدر ليس من أحوال قتال الجيوش المتساندين‏.‏

وعلى كلا الاحتمالين فالكلام يفيد أنهم لا يقاتلون إلا متفرقين كل فريق في قريتهم، وإلا خائفين متَترِّسِينَ‏.‏

والمعنى‏:‏ لا يهاجمونكم، وإن هاجمتموهم لا يبرزون إليكم ولكنهم يدافعونكم في قرى محصنة أو يقاتلونكم من وراء جُدر، أي في الحصون والمعاقل ومن وراء الأسوار، وهذا كناية عن مصيرهم إلى الهزيمة إذ ما حورب قوم في عُقر دارهم إلا ذلُّوا كما قال عَلِيّ رضي الله عنه‏:‏ وهذا إطلاع لهم على تطمين للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ودخائل الأعداء‏.‏

و «الجُدُر» بضمتين في قراءة الجمهور جمع جدار‏.‏ وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ‏{‏جِدار‏}‏ على الإِفراد، والمراد الجنس تساوي الجمع‏.‏

و ‏{‏محصنة‏}‏ ممنوعة ممن يريد أخذها بأسوار أو خنادق‏.‏

و ‏{‏قُرىً‏}‏ بالقصر جمع قرية، ووزنه وقصره على غير قياس لأن ما كان على زنة فَعْلَة معتل اللام مثل قرية يجمع على فِعال بكسر الفاء ممدوداً مثل‏:‏ ركوة وركاء، وشَكوة وشِكاء‏.‏ ولم يسمع القصر إلا في كَوة بفتح الكاف لغة وكوى، وقَرية وقُرى ولذلك قال الفراء‏:‏ قُرىً شاذ، يريد خارج عن القياس‏.‏

‏{‏جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ‏}‏‏.‏

استئناف بياني لأن الإِخبار عن أهل الكتاب وأنصارهم بأنهم لا يقاتلون المسلمين إلا في قرى محصنة المفيد أنهم لا يتفقون على جيش واحد متساندين فيه مما يثير في نفس السامع أن يسأل عن موجب ذلك مع أنهم متفقون على عداوة المسلمين‏.‏

فيجاب بأن بينهم بأساً شديداً وتدابراً، فهم لا يتفقون‏.‏

وافتتحت الجملة ب ‏{‏بأسهم‏}‏ للاهتمام بالإخبار عنه بأنه ‏{‏بينهم‏}‏، أي متسلط من بعضهم على بعض وليس بأسهم على المسلمين، وفي تهكم‏.‏

ومعنى ‏{‏بينهم‏}‏ أن مجال البأس في محيطهم فما في بأسهم من إضرار فهو منعكس إليهم، وهذا التركيب نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رحماء بينهم‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 29‏]‏‏.‏

وجملة ‏{‏تحسبهم جميعاً‏}‏ إلى آخرها استئناف عن جملة ‏{‏بأسهم بينهم شديد‏}‏‏.‏ لأنه قد يسأل السائل‏:‏ كيف ذلك ونحن نراهم متفقين‏؟‏ فأجيب بأن ظاهر حالهم حال اجتماع واتحاد وهم في بواطنهم مختلفون فآراؤهم غير متفقة إلا إلفة بينهم لأن بينهم إحَناً وعداوات فلا يتعاضدون‏.‏

والخطاب لغير معيّن لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحسب ذلك‏.‏ وهذا تشجيع للمسلمين على قتالهم والاستخفاف بجماعتهم‏.‏ وفي الآية تربية للمسلمين ليحذروا من التخالف والتدابر ويعلموا أن الأمة لا تكون ذات بأس على أعدائها إلا إذا كانت متفقة الضمائر يرون رأياً متماثلاً في أصول مصالحهما المشتركة، وإن اختلفت في خصوصياتها التي لا تنقض أصول مصالحها، ولا تفرِّق جامعتها، وأنه لا يكفي في الاتحاد توافق الأقوال ولا التوافق على الأغراض إلا أن تكون الضمائر خالصة من الإِحن والعداوات‏.‏

والقلوب‏:‏ العقول والأفكار، وإطلاق القلب على العقل كثير في اللغة‏.‏

وشتَّى‏:‏ جمع شتيت بمعنى مفارق بوزن فَعْلَى مثل قتيل وقَتلى، شبهت العقول المختلفة مقاصدها بالجماعات المتفرقين في جهات في أنها لا تتلاقى في مكان واحد، والمعنى‏:‏ أنهم لا يتفقون على حرب المسلمين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما ذكر من أن بأسهم بينهم ومن تشتت قلوبهم أي ذلك مسبب على عدم عقلهم إذ انساقوا إلى إرضاء خواطر الأحقاد والتشفي بين أفرادهم وأهملوا النظر في عواقب الأمور واتباع المصالح فأضاعوا مصالح قومهم‏.‏

ولذلك أقحم لفظ القوم في قوله ‏{‏بأنهم قوم لا يعقلون‏}‏ إيماء إلى أن ذلك من آثار ضعف عقولهم حتى صارت عقولهم كالمعدومة فالمراد‏:‏ أنهم لا يعقلون المعقل الصحيح‏.‏

وأوثر هنا ‏{‏لا يعقلون‏}‏‏.‏ وفي الآية التي قبلها ‏{‏لا يفقهون‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 13‏]‏ لأن معرفة مآل التشتت في الرأي وصرف البأس إلى المشارك في المصلحة من الوَهن والفتّ في ساعد الأمة معرفة «مشهورة» بين العقلاء‏.‏ قال أحد بني نبهان يخاطب قومه إذ أزمعوا على حرب بعضهم‏:‏

وأن الحزامة أن تصرفوا *** لحَي سِوانا صدورَ الأسل

فإهمالهم سلوك ذلك جعلهم سواء مع من لا عقول لهم فكانت هذه الحالة شقوة لهم حصلت منها سعادة للمسلمين‏.‏

وقد تقدم غير مرة أن إسناد الحكم إلى عنوان قوم يؤذن بأن ذلك الحكم كالجبلّة المقومة للقومية وقد ذكرته آنفاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏15‏)‏‏}‏

خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه هذا الخبر، فالتقدير‏:‏ مثلهم كمثل الذين من قبلهم قريباً، أي حال أهل الكتاب الموعود بنصر المنافقين كحال الذين مِن قبلهم قريباً‏.‏

والمراد‏:‏ أن حالهم المركبة من التظاهر بالبأس مع إضمار الخوف من المسلمين، ومن التفرق بينهم وبين إخوانهم من أهل الكتاب، ومن خذلان المنافقين إياهم عند الحاجة، ومن أنهم لا يقاتلون المسلمين إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، كَحال الذين كانوا من قبلهم في زمن قريب وهم بنو النضير فإنهم أظهروا الاستعداد للحرب وأبَوا الجلاء، فلم يحاربوا إلا في قريتهم إذ حصنوها وقبعوا فيها حتى أعياهم الحصار فاضطُرّوا إلى الجلاء ولم ينفعهم المنافقون ولا إخوانهم من أهل الكتاب‏.‏

وعن مجاهد أن ‏{‏الذين من قبلهم‏}‏ المشركون يوم بدر‏.‏

و ‏{‏مِنْ‏}‏ زائدة لتأكيد ارتباط الظرف بعامله‏.‏

وانتصب ‏{‏قريباً‏}‏ على الظرفية متعلقاً بالكون المضمر في قوله‏:‏ ‏{‏كمثل‏}‏، أي كحاللِ كائن قريب، أو انتصب على الحال من ‏{‏الذين‏}‏ أي القوم القريب منهم، كقوله‏:‏ ‏{‏وما قوم لوط منكم بِبَعيد‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 89‏]‏‏.‏

والوبال أصله‏:‏ وخامة المرعى المستلذ به للماشية يقال‏:‏ كلأ وبيل، إذا كان مَرعى خَضِراً «حلواً» تهشّ إليه الإِبل فيحبطها ويمرضها أو يقتلها، فشبهوا في إقدامهم على حرب المسلمين مع الجهل بعاقبة تلك الحرب بإبل ترامت على مرعى وبِيل فهلكت وأُثبت الذوق على طريقة المكنية وتخييلها، فكان ذكر ‏{‏ذاقوا‏}‏ مع ‏{‏وبال‏}‏ إشارة إلى هذه الاستعارة‏.‏

و ‏{‏أمرهم‏}‏ شأنُهم وما دبّروه وحسبوا له حسابه وذلك أنهم أوقعوا أنفسهم في الجلاء وترك الديار وما فيها، أي ذاقوا سوء أعمالهم في الدنيا‏.‏

وضمير ‏{‏ولهم عذاب أليم‏}‏ عائد إلى ‏{‏الذين من قبلهم‏}‏ أي زيادة على ما ذاقوه من عذاب الدنيا بالجلاء وما فيه من مشقة على الأنفس والأجساد لهم عذاب أليم في الآخرة على الكفر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 17‏]‏

‏{‏كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

هذا مثل آخر لمُمَثَّل آخر، وليس مثلاً منْضمًّا إلى المثل الذي قبله لأنه لو كان ذلك لكان معطوفاً عليه بالواو، أو ب ‏(‏أو‏)‏ كقوله تعالى ‏{‏أو كصيّب من السماء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 19‏]‏‏.‏

والوجه‏:‏ أن هذا المثل متصل بقوله‏:‏ ‏{‏ولهم عذاب أليم‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 15‏]‏ كما يفصح عنه قوله في آخره‏:‏ ‏{‏فكان عاقبتهما أنهما في النار‏}‏ الآية، أي مثلهم في تسبيبهم لأنفسهم عذاب الآخرة كمثل الشيطان إذ يوسوس للإنسان بأن يكفر ثم يتركه ويتبرأ منه فلا ينتفع أحدهما بصاحبه ويقعان معاً في النار‏.‏

فجملة ‏{‏كمثل الشيطان‏}‏ حال من ضمير ‏{‏ولهم عذاب أليم‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 15‏]‏ أي في الآخرة‏.‏

والتعريف في ‏{‏الشيطان‏}‏ تعريف الجنس وكذلك تعريف «الإنسان»‏.‏ والمراد به الإنسان الكافر‏.‏

ولم تُرد في الآخرة حادثة معيَّنة من وسوسة الشيطان لإِنسان معيَّن في الدنيا، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏فلمّا كَفَرَ قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين‏}‏، وهل يتكلم الشيطان مع الناس في الدنيا فإن ظاهرة قوله‏:‏ ‏{‏قال إني بريء منك‏}‏ أنه يقوله للإِنسان، وإما احتمال أن يقوله في نفسه فهو احتمال بعيد‏.‏ فالحق‏:‏ أن قول الشيطان هذا هو ما في آية ‏{‏وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل‏}‏ في سورة ‏[‏إبراهيم‏:‏ 22‏]‏‏.‏

وقد حكى ابن عباس وغيرهما من السلف في هذه الآية قصة راهب بحكاية مختلفة جعلت كأنها المراد من الإنسان في هذه الآية‏.‏ ذكرها ابن جرير والقرطبي وضَعَّف ابن عطية أسانيدها فلئن كانوا ذكروا القصة فإنما أرادوا أنها تصلح مثالاً لما يقع من الشيطان للإِنسان كما مال إليه ابنُ كثير‏.‏

فالمعنى‏:‏ إذ قال للإِنسان في الدنيا‏:‏ اكفر، فلما كفر ووافى القيامة على الكفر قال الشيطان يوم القيامة‏:‏ إني بريء منك‏}‏، أي قال كل شيطان لقرينه من الإِنس‏:‏ ‏{‏إنّي بريء منك‏}‏ طمعاً في أن يكون ذلك منجيه من العذاب‏.‏

ففي الآية إيجاز حذف حُذف فيها معطوفات مقدرة بعد شرط ‏(‏لَمَّا‏)‏ هي داخلة في الشرط إذ التقدير‏:‏ فلما كفر واستمر على الكفر وجاء يوم الحشر واعتذر بأن الشيطان أضله قال الشيطان‏:‏ ‏{‏إني بريء منك‏}‏ الخ‏.‏ وهذه المقدرات مأخوذة من آيات أخرى مثل آية سورة إبراهيم وآية سورة ‏[‏ق‏:‏ 27‏]‏‏.‏ ‏{‏قال قرينه ربّنا ما أطغيته‏}‏ الآية‏.‏ وظاهر أن هذه المحاجة لا تقع إلا في يوم الجزاء وبعد موت الكافر على الكفر دون من أسلموا‏.‏

وقول‏:‏ فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها‏}‏ من تمام المثل‏.‏ أي كان عاقبة الممثل بهما خسرانهما معاً‏.‏ وكذلك تكون عاقبة الفريقين الممثلين أنهما خائبان فيما دبّرا وكادا للمسلمين‏.‏

وجملة ‏{‏وذلك جزاء الظالمين‏}‏ تذييل، والإِشارة إلى ما يدل عليه ‏{‏فكان عاقبتهما أنهما في النار‏}‏ من معنى، فكانت عاقبتهما سوأى والعاقبة السّوأى جزاء جميع الظّالمين المعتدين على الله والمسلمين، فكما كانت عاقبة الكافر وشيطانه عاقبة سوء كذلك تكون عاقبة الممثلين بهما وقد اشتركا في ظلم أهل الخير والهدى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

انتقال من الامتنان على المسلمين بما يسرّ الله من فتح قرية بني النضير بدون قتال، وما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم منهم، ووصف ما جرى من خيبتهم وخيبة أملهم في نصرة المنافقين، ومن الإِيذان بأن عاقبة أهل القرى الباقية كعاقبة أسلافهم‏.‏ وكذلك موقف أنصارهم معهم، إلى الأمر بتقوى الله شكراً له على ما منح وما وعد من صادق الوعد فإن الشكر جزاء العبد عن نعمة ربه إذ لا يستطيع جزاء غير ذلك فأقبل على خطاب الذين آمنوا بالأمر بتقوى الله‏.‏

ولما كان ما تضمنته السورة من تأييد الله إياهم وفَيض نعمه عليهم كان من منافع الدنيا، أعقبه بتذكيرهم بالإِعداد للآخرة بقوله‏:‏ ‏{‏ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ‏}‏ أي لتتأمل كل نفس فيما قدمته للآخرة‏.‏

وجملة ‏{‏ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ‏}‏، عطف أمر على أمر آخر‏.‏ وهي معترضة بين جملة ‏{‏اتقوا الله‏}‏ وجملة ‏{‏إن الله خبير بما تعملون‏}‏‏.‏ وذِكر ‏{‏نفس‏}‏ إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر‏:‏ وانظروا ما قدمتم، فعُدل عن الإِظهار لقصد العموم أي لتنظروا وتنظر كل نفس‏.‏

وتنكير ‏{‏نفس‏}‏ يفيد العموم في سياق الأمر، أي لتنظر كل نفس، فإن الأمر والدعاء ونحوهما كالشرط تكون النكرة في سياقها مثل ما هي في سياق النفي كقوله تعالى ‏{‏وإن أحد من المشركين استجارك فأجره‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 6‏]‏ وكقول الحريري‏:‏

يا أهلَ ذا المَغْنَى وُقيتم ضُرّا ***

‏(‏أي كل ضر‏)‏‏.‏

وإنما لم يعرَّف بلام التعريف تنصيصاً على العموم لئلا يتوهم نفسٌ معهودة

وأطلق «غد» على الزمن المستقبل مجازاً لتقريب الزمن المستقبل من البعيد لملازمة اقتراب الزمن لمفهوم الغَد، لأن الغد هو اليوم الموالي لليوم الذي فيه المتكلم فهو أقرب أزمنة المستقبل كما قال قرّاد بن أجدع‏:‏

فإن يَكُ صدْرُ هذا اليوم ولّى *** فإن غداً لناظره قريب

وهذا المجاز شائع في كلام العرب في لفظ ‏(‏غد‏)‏ وأخواته قال زهير‏:‏

وأعْلَمُ عِلْم اليوممِ والأمسسِ قبلَه *** ولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ

يريد باليوم الزمن الحاضر، وبالأمس الزمن الماضي، وبالغد الزمن المستقبل‏.‏

وتنكير «غد» للتعظيم والتهويل، أي لغدٍ لا يعرف كنهه‏.‏

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لغدٍ‏}‏ لام العلة، أي ما قدمتْه لأجل يوم القيامة، أي لأجل الانتفاع به‏.‏

والتقديم‏:‏ مستعار للعمل الذي يُعمل لتحصيل فائدته في زمن آت شبه قصد الانتفاع به في المستقبل بتقديم من يَحلّ في المنزل قبل ورود السائرين إليه من جيش أو سَفر ليهيّء لهم ما يصلح أمرهم، ومنه مقدمة الجيش وتقديم الرائد قبل القافلة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 110‏]‏ ويقال في ضده‏:‏ أَخَّر، إذا ترك عمل شيء قال تعالى‏:‏ ‏{‏علمت نفس ما قدمت وأخرت‏}‏

‏[‏الأنفطار‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وإعادة ‏{‏واتقوا الله‏}‏ ليبنَى عليه ‏{‏إن الله خبير بما تعملون‏}‏ فيحصل الربط بين التعليل والمعلل إذ وقع بينهما فصل ‏{‏ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ‏}‏‏.‏ وإنما أعيد بطريق العطف لزيادة التأكيد فإن التوكيد اللفظي يؤتى به تارة معطوفاً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 34، 35‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون‏}‏ ‏[‏التكاثر‏:‏ 3 4‏]‏‏.‏ وقول عدي بن زيد‏:‏ «وألفَى قولها كذباً ومَيناً»‏.‏

وذلك أن في العطف إيهام أن يكون التوكيد يجعل كالتأسيس لزيادة الاهتمام بالمؤكد‏.‏

فجملة ‏{‏إن الله خبير بما تعملون‏}‏ تعليل للحث على تقوى الله وموقع ‏{‏إنَّ‏}‏ فيها موقع التعليل‏.‏

ويجوز أن يكون ‏{‏اتقوا الله‏}‏ المذكور أولاً مراداً به التقوى بمعنى الخوف من الله وهي الباعثة على العمل ولذلك أردف بقوله‏:‏ ‏{‏ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ‏}‏ ويكون ‏{‏اتقوا الله‏}‏ المذكور ثانياً مراداً به الدوام على التقوى الأولى، أي ودوموا على التقوى على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 136‏]‏ ولذلك أردف بقوله‏:‏ ‏{‏إن الله خبير بما تعملون‏}‏ أي بمقدار اجتهادكم في التقوى، وأردف بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 19‏]‏ أي أهملوا التقوى بعد أن تقلّدوها كما سيأتي أنهم المنافقون فإنهم تقلّدوا الإِسلام وأضاعوه قال تعالى‏:‏ ‏{‏نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 67‏]‏‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏إن الله خبير بما تعملون‏}‏ إظهار اسم الجلالة في مقام الإِضمار، فتكون الجملة مستقلة بدلالتها أتمّ استقلال فتجري مجرى الأمثال ولتربية المهابة في نفس المخاطبين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

بعد أن أمر المؤمنين بتقوى الله وإعداد العُدة للآخرة أعقبه بهذا النهي تحذيراً عن الإِعراض عن الدين والتغافل عن التقوى، وذلك يفضي إلى الفسوق‏.‏ وجيء في النهي بنهيهم عن حالة قوم تحققت فيهم هذه الصلة ليكون النهي عن إضاعة التقوى مصوراً في صورة محسوسة هي صورة قوم تحققت فيهم تلك الصلة وهم الذين أعرضوا عن التقوى‏.‏

وهذا الإِعراض مراتب قد تنتهي إلى الكفر الذي تلبس به اليهود وإلى النفاق الذي تلبس به فريق ممن أظهروا الإِسلام في أول سنيّ الهجرة، وظاهر الموصول أنه لطائفة معهودة فيحتمل أن يُراد ب«الذين نسوا الله» المنافقين لأنهم كانوا مشركين ولم يهتدوا للتوحيد بهدي الإِسلام فعبر عن النفاق بنسيان الله لأنه جهل بصفات الله من التوحيد والكمال‏.‏ وعبّر عنهم بالفاسقين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون‏}‏ في سورة ‏[‏براءة‏:‏ 67‏]‏، فتكون هذه الآية ناظرة إلى تلك‏.‏

ويحتمل أن يكون المراد بهم اليهود لأنهم أضاعوا دينهم ولم يقبلوا رسالة عيسى عليه السلام وكفروا بحمد‏.‏

فالمعنى‏:‏ نسوا دين الله وميثاقه الذي واثقهم به، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 40- 41‏]‏‏.‏

وقد أطلق نسيانهم على الترك والإِعراض عن عمد أي فنسوا دلائل توحيد الله ودلائلَ صفاته ودلائلَ صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم كتابه فالكلام بتقدير حذف مضاف أو مضافين‏.‏

ومعنى «أنساهم أنفسهم» أن الله لم يخلق في مداركهم التفطن لفهم الهدي الإِسلامي فيعملوا بما ينجيهم من عذاب الآخرة ولما فيه صَلاحهم في الدنيا، إذ خذلهم بذبذبة آرائهم فأصبح اليهود في قبضة المسلمين يخرجونهم من ديارهم، وأصبح المنافقون ملموزين بين اليهود بالغدر ونقض العهد وبين المسلمين بالاحتقار واللعن‏.‏

وأشعر فاء التسبب بأن إِنسَاء الله إياهم أنفسهم مسبب على نسيانهم دين الله، أي لمَّا أعرضوا عن الهدى بكسبهم وإرادتهم عاقبهم الله بأن خلق فيهم نسيان أنفسهم‏.‏

وإظهار اسم الجلالة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كالذين نسوا الله‏}‏ دون أن يقال‏:‏ نسُوهُ لاستفظاع هذا النسيان فعلق باسم الله الذي خلقهم وأرشدهم‏.‏

والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك هم الفاسقون‏}‏ قصر ادعائي للمبالغة في وصفهم بشدة الفسق حتى كأنّ فسق غيرهم ليس بفسق في جانب فسقهم‏.‏

واسم الإِشارة للتشهير بهم بهذا الوصف‏.‏

والفسق‏:‏ الخروج من المكان الموضوع للشيء فهو صفة ذم غالباً لأنه مفارقة للمكان اللائق بالشيء، ومنه قيل‏:‏ فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، فالفاسقون هم الآتون بفواحش السيئات ومساوئ الأعمال وأعظمها الإِشراك‏.‏

وجملة ‏{‏أولئك هم الفاسقون‏}‏ مستأنفة استئنافاً بيانيّاً لبيان الإِبهام الذي أفاده قوله‏:‏ ‏{‏فأنساهم أنفسهم‏}‏ كأن السامع سأل‏:‏ ماذا كان أثر إنساء الله إياهم أنفسهم‏؟‏ فأجيب بأنهم بلغوا بسبب ذلك منتهى الفسق في الأعمال السيئة حتى حقّ عليهم أن يقال‏:‏ إنه لا فسق بعد فسقهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

تذييل لجملة ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 18‏]‏ الخ‏.‏ لأنّه جامع لخلاصة عاقبة الحالين‏:‏ حال التقوى والاستعداد للآخرة، وحال نسيان ذلك وإهماله، ولكلا الفريقين عاقبة عمله‏.‏ ويشمل الفريقين وأمثالهم‏.‏

والجملة أيضاً فذلكة لما قبلها من حال المتقين والذين نَسُوا الله ونُسُّوا أنفسهم لأن ذكر مثل هذا الكلام بعد ذكر أحوال المتحدَّث عنه يكون في الغالب للتعريض بذلك المتحدَّث عنه كقولك عندما ترى أحداً يؤذي الناس‏:‏ «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فمعنى الآية كناية عن كون المؤمنين هم أصحاب الجنة، وكون الذين نَسُوا الله هم أهل النار فتضمنت الآية وعداً للمتقين ووعيداً للفاسقين‏.‏

والمراد من نفي الاستواء في مثل هذا الكناية عن البون بين الشيئين‏.‏

وتعيين المفضل من الشيئين موكول إلى فهم السامع من قرينة المقام كما في قول السموأل‏:‏

فليس سواءً عالم وجهول ***

وقول أبي حزام غالب بن الحارث العكلي‏:‏

وأعلم أن تسليماً وتركاً *** للاَ متشابهان ولا سواء

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليسوا سواء‏}‏ بعد قوله‏:‏ ‏{‏ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏ الآية‏.‏ وقَبل قوله‏:‏ ‏{‏من أهل الكتاب أمة قائمة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 113‏]‏‏.‏ وقد يردف بما يدل على جهة التفضيل كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 10‏]‏‏.‏ وقوله هنا ‏{‏أصحاب الجنة هم الفائزون‏}‏، وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يستوي القاعدون من المؤمنين‏}‏ الآية ‏(‏95‏)‏ في سورة النساء‏.‏

وأما من ذهب من علماء الأصول إلى تعميم نحو لا يستوون من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 18‏]‏ فاستدلُّوا به على أن الفاسق لا يلِي ولاية النكاح، وهو استدلال الشافعية فليس ذلك بمرضي، وقد أباه الحنفية ووافقهم تاج الدين السبكي في غير «جمع الجوامع»‏.‏

والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أصحاب الجنة هم الفائزون‏}‏ قصر ادعائي لأن فوزهم أبدِيّ فاعتبر فوز غيرهم ببعض أمور الدنيا كالعدم‏.‏